الأردن – ارتفاع مستمر للأسعار ، زيادة مخيفة في معدلات الفقر ، عجز دائم في الموازنة ، وغياب للحلول الناجعة


تعتبر الزيادة الفاحشة في تكاليف المعيشة وازدياد معدلات الفقر هي الشغل الشاغل لمعظم الأردنيين إضافة إلى العمالة  الخارجية المتواجدة بكثرة في هذا البلد الفقير، ولعل الجميع بدأ يشعر بثقل هذه الموجة من الغلاء التي شملت جميع مناحي الحياة ، وأصبحت المداخيل المادية لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية لكثير من المواطنين
، حتى من اعتبر نفسه في وقت من الأوقات أنه من الطبقة الوسطى التي تعيش في رفاه نسبي أصبح الآن يعاني كغيره من المواطنين وتقلص مستوى الرفاه عنده إلى حد كبير غير مسبوق. فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة وكيف ساهمت الحكومات المتعاقبة – مشكورة – في وصولنا إلى هذا الوضع المتردي.
لا بد للباحث في هذا الموضوع أن يتعرف بداية على نقاط القوة والضعف في الاقتصاد الأردني ، حيث يعتبر نقص الموارد الطبيعية وعلى رأسها مصادر الطاقة من أهم التحديات في الاقتصاد الاردني ، إضافة إلى ضعف الصناعة في ظل عدم قدرتها على المنافسة مع الدول الأخرى ، كذلك ضعف في الرؤية السياحية الفعالة التي لم تستطع تسويق المواقع السياحية النادرة الموجودة في الأردن ، وحتى لم تستطع تطويرها ورفدها بالخدمات والبنية التحتية المناسبة لاستقبال السائح لأكثر من سويعات في الموقع الواحد . حتى أن بعض الصناعات الاستخراجية مثل الفوسفات والبوتاس لم تقم الحكومات بالتعامل معها بالشكل الجيد . وأخيرا وليس آخرا فإن النقص الحاد في الموارد المائية وضعف سياسات تنشيط الاستثمار الخارجي تعتبر من العوائق المهمة في مسيرة الاقتصاد الاردني المتعثر أصلا. بالمقابل نجد أن من أهم نقاط القوة في هذا الاقتصاد هو العنصر البشري المؤهل المعتمد على نظام تعليم عالي المستوى ، إضافة إلى القطاع الصحي (الخاص) الذي يتميز باكفاءة وكذلك الصناعات الدوائية .
من خلال دراسة نقاط القوة والضعف في الاقتصاد الاردني نجد أن الحكومات المتعاقبة لم تستطع التعامل بشكل إيجابي مع معطيات هذا الاقتصاد ، فلا هي استطاعت ان تعزز من مواطن القوة ولم تستطع كذلك التقليص من حدة أثر الجوانب السلبية في الاقتصاد، وبدلا من ذلك اعتمدت سياسة ترحيل الأزمات من خلال الاقتراض ثم الاقتراض ثم الاقتراض إلى أن وصل عجز الموازنة إلى مستويات غير مسبوقة ، بمعنى آخر فإن زيادة المستوردات عن الواردات وبشكل سنوى أدى إلى تزايد هذا العجز وبالتالي فإن الحكومات ستعجز عن دفع مصاريفها التشغيلية من رواتب وخلافه وكذلك المصروفات الرأسمالية مثل إنشاء الطرق وتحسين البنى التحتية ومشاريع الخدمات ، الخ.. . في النهاية أصبح الهم الوحيد للحكومة الحالية هو المحاولة للخروج من الأزمة دون زيادة في الاقتراض ، ولم تجد مخرجا سوى جيب المواطن ، فقامت بتحرير الأسعار وخصوصا أسعار المشتقات النفطية، وهذا يعني أن الحكومة لن تتحمل أي فلس عن المواطن لدعمه في التغلب على أسعار المحروقات المرتفع وبالتالي ستخفض عجز الموازنة وتستطيع دفع مصروفاتها . قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا هو الحل ، ولا بد للمواطن من تحمل جزء من العبئ مساهمة منه في الوقوف بجانب البلد في هذه الظروف الصعبة . في وجهة نظري فإن هذا الرأي هو أسوأ الحلول التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومات في مثل هذه الظروف ، فقد تناست الحكومة الكريمة أن تحرير المشتقات النفطية وغيرها من المواد الضرورية والتي تدخل في باقي الصناعات سيؤدي إلى رفع أسعار باقي السلع والخدمات ، وهذا سيخفض القوة الشرائية لدى المواطن مما يقلل من طلبه على السلع والخدمات أو اللجوء إلى السلع التي لا تعتبر رافدا من روافد الاقتصاد مثل الملابس المستعملة مثلا ، هذا الأمر سيقود إلى انخفاض في أرباح الشركات المنتجة للسلع والخدمات وقد يؤدي إلى خروجها من السوق وبالتالي زيادة في نسب البطالة ونقصان في الدخل ، حتى الضرائب الحكومية المحصلة من الشركات ستنخفض بشكل ملموس في مثل هذه الحالات نتيجة تقلص أرباح  هذه الشركات أو خسارتها ، ومن ثم تعاود الموازنة العامة مرة أخرى للعجز ، فهل سيكون الحل في رفع الأسعار مرة أخرى ؟؟؟  إن عملية رفع الأسعار في ظل عدم القدرة على زيادة الانتاج خصوصا في ظل المنافسة الأجنبية وانتهاج سياسة التجارة المفتوحة التي تسمح بحرية دخول وخروج البضائع كل هذا يؤدي إلى دخول البلد في دورة لا تنتهي من رفع الأسعار وهي كالحلقة لا مخرج منها.
 علاوة على ما تقدم ، فالسياسات الحكومية السابقة التي باعت مقدرات البلد وخصوصا الصناعات الاستخراجية افقدتنا ميزة مهمة وزادت في مشكلة عجز الموازنة واصبحنا أما خياران أحلاهما مر ، فإما أن تعلن البلد إفلاسها بعدم قدرتها على دفع مصاريفها ورواتب موظفيها أو أنها تقوم برفع الأسعار . كما أن الحكومة ضربت النظام التعليمي الذي كان من أهم نقاط القوة لدينا وأصبحنا نخجل من مخرجات الجامعات بدلا من التفاخر بها ، وهذا مرده إلى سياسة التعليم الأساسي الفاشلة ابتداء والاجحاف الواضح بحق المعلم الذي هو ركيزة العملية التربوية بحيث أصبح لا يقوى على تعليم أبناءه فكيف بأبناء الغير؟!!. كما أن الفساد المالي والإداري شكل تحديا كبيرا للإقتصاد دفع ثمنه المواطن العادي.
من ناحية أخرى فإن أي اقتصاد في العالم دائما ما يتغنى بالطبقة الوسطى التي لديه فهي التي تحرك الاقتصاد ، لأن الفقير عادة ما يكون عبئا بسبب المعونات التي يحتاجها ، وأما الغني فإنه عادة ما يستهلك على السلع المستوردة التي تضر الاقتصاد ولا تفيده ، أما الطبقة الوسطة فهي الطبقة القادرة على الشراء من المنتجات المحلية وبالتالي زيادة قدرة المجتمع على الانتاج وهو سر الانتعاش الاقتصادي. في الأردن نجد أن الموضوع معكوس ، فهنالك حرب شرسة على الطبقة الوسطة بحيث تم جرها إلى مستويات الفقر!! . كما أن زيادة العمالة الوافدة في البلد تشكل عبئا إضافيا على الاقتصاد ويجب دراستها بشكل علمي دون النظر لأصحاب المصالح من متنفذين ومالكي شركات اسكان المستفيدون من وجود هذه العمالة على حساب المواطن الأردني .
إن هذا الوضع أدى إلى مشاكل اجتماعية كبيرة ومن أهمها زيادة معدل سن الزواج لدى الرجال وزيادة نسبة العنوسة لدى الفتيات ، هذا الأمر لا يستهان به إطلاقا ويحتاج إلى دراسة مفصلة لما له من أثر على الأمن المجتمعي والاستقرار بشكل عام، وعلى الحكومات أن تعلم أن المواطن الأردني هو مواطن صالح وصبور ويستطيع التحمل في سبيل البلد ولكن مع وجود رؤية واضحة وخطة عمل لها إطار زمني ، فلا يعقل أن يكون هنالك رفع أسعار يتبعه رفع أسعار يليه رفع للأسعار دون أن يقال لهم مثلا أن هذا الوضع لمدة خمس سنوات مثلا . لا مناص من خطط إنتاجية تتضمن حماية للمنتج من المنافسة الخارجية ، لا بد من تخفيض تكاليف الانتاج بالتخفيف من العبئ الضريبي على بعض القطاعات المنتجة . لا بد من وضع سياسة تربوية للتعليم ورفع مستوى المعلمين ، لا بد من البحث على مصادر طاقة بديلة وقد أجاد العالم بذلك من خلال تدوير المخلفات التي تشكل حاليا عبئا في التخلص منها ، ولا بد من محاربة الفساد والمفسدين واستعادة ما نهبوه من مقدرات. هذه مشكلة الحكومة وليست مشكلة المواطن وهي من يجب أن تسعى للحلول وتجنب هواية اللجوء إلى جيب المواطن عند كل أزمة .
د.فؤاد الكلباني
  

Share/Bookmark

Artikel Terkait

Previous
Next Post »

آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق وحتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي
شكرا لك
EmoticonEmoticon